السيد محمدحسين الطباطبائي
215
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وإذ كان كلّ شيء نازلا من عنده سبحانه - وقد بيّن أنّ كلّ شيء يعود إلى ما بدأ منه ، على ما سيجيء توضيحه إن شاء اللّه ، وأنّ الشيء بين بدئه وعوده يجري على ما يستدعيه بدؤه ، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ، « 1 » وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها « 2 » - انكشف من هنا : أنّ بعض الأشياء القرينة في هذه الدار بالقرب والرحمة والنعمة وتقريب العباد من اللّه سبحانه ، أنّها نزلت من مقام القرب والرحمة وهي الجنّة ، والبعض الكائن بالعكس من هذه المعاني نازل من مقام البعد والنقمة وموطن الغضب وهي جهنّم ، فعلى هذا جرت لسان الأخبار . قوله - عليه السلام - قال : « من ثمرات القلوب » هذا يؤيّد ما ذكرناه آنفا : أنّ دعاءه الوارد في سورة إبراهيم دعاء خاصّ بالذرّيّة ، مأخوذ في النقل من هذا الدعاء العامّ الشامل لهم ولغيرهم عن أهل مكّة ، حيث وضع هناك بدل قوله تعالى : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ « 3 » قوله : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ « 4 » ! وكيف كان فتفسير الثمرات بثمرات القلوب من قبيل عدّ المصداق دون التخصيص به ، ويشهد عليه ما في المجمع عن الباقر - عليه السلام - : « إنّ المراد بذلك أنّ الثمرات تحمل إليهم من الآفاق » « 5 » الحديث ، وكما في قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ . « 6 »
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 84 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 148 . ( 3 ) . إبراهيم ( 14 ) : 37 . ( 4 ) . إبراهيم ( 14 ) : 37 . ( 5 ) . مجمع البيان 1 : 385 ؛ بحار الأنوار 12 : 86 ، الباب : 5 . ( 6 ) . القصص ( 28 ) : 57 .